الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
240
نفحات الولاية
إنّك سمعت من النبي صلى الله عليه وآله ما ينبغي سماعه ، وتارة يقول له على الأقل سر بسيرة من سبقك من الخلفاء فهما ليسا أولى منك بالعمل بالحق . وأخيراً يبيّن له أنّ طريق الحق واضح فلماذا تعرض نفسك لكل هذه الأخطار وتسلك السبيل غير القويم ، لكن لم يستجب عثمان حتى حدث ما لا ينبغي أن يحدث بعد أن ولّى ظهره لكل تلك المواعظ والإرشادات القيّمة . تأمّل سبُل نفوذ الكلام في الآخرين إذا قام شخص ببعض المخالفات وكان يبدو مدركاً لبعض الأعمال الخطيرة وأراد عاقل أن يوقظه من نوم الغفلة ، فإنّ أفضل أسلوب يمكن اعتماده بادىء الأمر أن يستقطب قلبه ويذكره بإيجابياته ، فيقول مثلًا : إنّك من أُسرة عريقة ولديك تحصيلات علمية قيمة وسمعتك حسنة بين الناس لعله يشعر بشخصيته ويثق بالمقابل فيتقبل منه . ومن ثم مقارنته بأمثاله وأقرانه بهدف إعادته إلى الصواب والابتعاد عن الخطر . الإمام عليه السلام بصفته سيد الفصحاء والبلغاء والعالم بالقضايا التربوية والنفسية ، فقد ذكّر عثمان بكل هذه الأمور ، فقال له إنّك لصهر رسول اللَّه صلى الله عليه وآله « 1 » وأقرب إليه من الخليفة الأول والثاني ولك سابقة في الإسلام وقد لازمت النبي صلى الله عليه وآله وليس هنالك من شيء غائب عنك لأذكرك به ، فهنالك ظلم وجور وتطاول على بيت مال المسلمين وهضم لحقوق الناس . إلّاأنّ الخليفة الثالث قد انغمس في شباك بطانته - تلك البطانة التي يمثل أغلبها حثالات الجاهلية - ولم يعد يتحمل نصح ذلك الناصح الأمين وينقذ نفسه من تلك الورطة . ويتضح ممّا مر معنا أن ليس هنالك من فضيلة لعثمان تضمنتها عبارات هذه الخطبة .
--> ( 1 ) . كان عثمان زوج رقية بعد أم كلثوم بنتي النبي صلى الله عليه وآله